محمد غازي عرابي

909

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وقوله : عِنْدَ رَبِّكُمْ ، ذو نكتة ، ذلك أننا شرحنا من قبل دور الربوبية في الوجود والتي تطلب المربوبين ، فهي التنزلات الإلهية من لدن الحضرة العلمية إلى الحضرة العيانية الفعلية ، فالربوبية هي الفعل ، وهي الفاعل والمنفعل ، فهي فاعلة بالإلهام للبشر ، وبالوحي للحيوان كما قال سبحانه : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النّحل : 68 ] ، وبالجذب والطرد للعالم الذري كما هو معلوم في علوم الذرة ، فخارج دائرة الربوبية لا يوجد شيء إلا اللّه ، فالربوبية تحقق الاستواء على عرش الوجود . [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 36 ] أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 36 ) [ الزمر : 36 ] العبد من وصل مقام العبد الصالح ، وقلنا إنه الخضر ، وإنه الروح ، وإنه ممثل اسمه تعالى الحي ، فالعبد في مقام العبودة واحد فرد هو من اجتبى اللّه واصطفى للتكليم والتعليم ، ومن بلغ هذا المقام تحرر واطمأن ، وإذا خاطبه الجاهلون قال سلاما ، فالعبد المتأله هو المتحقق بالربوبية وكيف تفعل ، فلا يعود يخشى إلا اللّه ، ولا يقصد إلا اللّه ، وهو يرى الناس هياكل القدرة الإلهية . وقوله : وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني اعتماد الناس بعضهم بعضا ، غير ناظرين غيرهم ، وناسين القادر المقتدر القاهر ، فينفي فريق وجوده ، ويجعله فريق آخر في السماء بعيدا عن الأرض والبشر وما يفعله البشر ، واللّه أقرب إلى الإنسان منه ، بل هويته هويته . فالعبد لا يخاف ما تخاف الناس ، ولقد أثر عن النبي اتصافه بالشجاعة والتوكل على اللّه حتى إن سيف اللّه الإمام علي ذكر أنه لما كانت تحمر الحدق ساعة الشدة في ساحة الوغى كان هو والآخرون يحتمون برسول اللّه الفارس الإلهي الذي إذا كبر لم يعد يرى أحدا إلا واللّه منه أكبر . [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 37 ] وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ( 37 ) [ الزمر : 37 ] ثمت صلة بين كونه سبحانه المضل وكونه عزيزا ذا انتقام ، فالعزة المنعة والقوة ، ولو أن الشيطان أضل من دون إذن اللّه لصار في الكون إلهان اثنان ، وهذا هو الشرك الذي وقعت فيه الثنوية الفارسية القائلين بوجود إلهين إله النور وإله الظلام ، فاللّه في الوجود واحد ، وهو مضل هاد ، فإذا أضل فلا هاد لمن أضل لأنه هو سبحانه الملهم الفجور والتقوى ، وكذلك فإن من هدى اللّه فلا مضل له ، لأنه هو سبحانه المضل ، فكيف يضل اللّه من قد هدى ؟ فالأمر هو على التحقيق بين إصبعين من أصابع الرحمن ، والخلق كلهم بين الإصبعين كما رأى البسطامي في المدخل .